الغزالي

4

إحياء علوم الدين

جناية قارفها الخائف ، بل عن صفة المخوف ، كالذي وقع في مخالب سبع ، فإنه يخاف السبع لصفة ذات السبع ، وهي حرصه وسطوته على الافتراس غالبا ، وإن كان افتراسه بالاختيار وقد يكون من صفة جبلَّية للمخوف منه ، كخوف من وقع في مجرى سيل ، أو جوار حريق ، فإن الماء يخاف لأنه بطبعه مجبول على السيلان والإغراق ، وكذا النار على الإحراق فالعلم بأسباب المكروه هو السبب الباعث المثير لإحراق القلب وتألمه . وذلك الإحراق هو الخوف . فكذلك الخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع ، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي ، وتارة يكون بهما جميعا . وبحسب معرفته بعيوب نفسه ، ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه ، وأنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ، تكون قوة خوفه . فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] أَنَا أَخْوَفُكُمْ لِلَّه ِ وكذلك قال الله تعالى * ( إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِه ِ الْعُلَماءُ « 1 » . ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب ، ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن ، وعلى الجوارح ، وعلى الصفات أما في البدن فبالنحول ، والصفار ، والغشية ، والزعقة ، والبكاء ، وقد تنشق به المرارة فيفضى إلى الموت ، أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل ، أو يقوى فيورث القنوط واليأس وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي ، وتقييدها بالطاعات ، تلافيا لما فرط ، واستعدادا للمستقبل . ولذلك قيل : ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه ، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه . وقال أبو القاسم الحكيم : من خاف شيئا هرب منه ، ومن خاف الله هرب إليه وقيل لذي النون : متى بكون العبد خائفا ؟ قال إذا نزّل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمى مخافة طول السقام وأما في الصفات ، فبأن يقمع الشهوات ، ويكدر اللذات ، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة ، كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سما . فتحترق الشهوات بالخوف ، وتتأدب الجوارح ، ويحصل في القلب الذبول ، والخشوع ، والذلة ، والاستكانة ،

--> « 1 » فاطر : 28